Monday, November 11, 2019

عن الملاك الحارس الذي يغادرنا اليوم


عن الملاك الحارس الذي يغادرنا اليوم


ليست "ام جورج" امرأة عادية بل هي أم استثنائية.
اعطت للاعلام والصحافة في لبنان عملاقين : جورج ومرسال غانم.
وكانت السند للعم لويس في تربية ابنتين و 3 شباب على القيم والعادات والتقاليد. تربية على القيم المسيحية كالتعلّق بالأرض والجذور والضيعة والانخراط في الكنيسة ونشاطاتها.
هذه التربية جعلت من هذا البيت الصغير "قصة نجاح" على مستوى الوطن. في الطب والاعلام والتربية وفي الوطنية والانخراط في شتّى مجالات العمل الاجتماعي.
ام جورج لعارفيها كانت شخصية استثنائية. فهي تجيد فنّ السياسة والنقاش والتحليل كما تجيد فنّ الطبخ واعداد الطعام التقليدي وتحضير المونة اللبنانية. فكانت الفرحة الكبيرة عندما تجتمع العائلة تحت جناحها لالتماس رضاها. فهي بنفس الوقت صاحبة شخصية صلبة وجبّارة وتتمتع بحدس يكوّنها من معرفة شخصية ونوايا واخلاق وتربية كل من يلتقي بها وإن للمرّة الاولى. 
في شهر نيسان من العام 2008 التقيتها للمرة الاولى في البيت الكائن في حارة صخر.. كان موعدي مع الاعلامي مرسال الذي اراده في المكان الأحبّ له : منزل العائلة الشاهد على الذكريات وشجر الليمون والاكي دني والحديقة التقليدية في بيوت الحارة.
كانت تجلس أم جورج أمام التلفزيون وكان يحادثها مرسال ... حان وقت الغداء ... فكانت الوجبة الاولى من "طبختها": كفتة وبطاطا. كان ينتابني شعور بالخجل في حضرة هذه السيّدة التي إن نظرت في عينيك ، فهمت ماذا تريد من نظرة. كانت تفرض احترامها على كل من حولها. كانت تمثّل في غياب الأب، السلطة والطاعة والمرجعية لكل أفراد العائلة: وهي بذلك لم تكن امّاً لعائلة غانم بل كانت امّاً لكل من عرف ودخل بيت العائلة.
كانت تحبّ الأرض والزراعة وكانت تعتني بالحديقة وتفاصيلها وتحزن عندما تذبل احدى النباتات. فتعتبر أنها كانت مقصّرة بحقها وتسأل عن كيفية تصحيح الأمر. كانت تسألني (عندما يغيب مرسال ) هل هو سعيد في عمله ؟ هل "عم بيعذبّوه" ؟ وهل انا اقوم بواجبي في العمل كما يجب! كان همّها سعادة كل اولادها أينما كانوا.  كانت حقاً الملاك الحارس.
عرفتها قوّية ، صلبة وجبّارة . في نفس الوقت حنونة ورقيقة ومحبّة.
تكره من كان بوجهين وبلسانين. تقول الاشياء كما هي .
لم تكن ديبلوماسية "ام جورج" بل كانت تعطي رأيها بصراحة وكانت صراحتها مصدر محبّة الناس اليها.
في الحلقات مع السياسيين من سعد الحريري الى سليمان فرنجيه والعماد عون ( في الرابية قبل الرئاسة ) كانت حاضرة دوماً على الهاتف وفي الفاصل الاعلاني لتتصل بمرسال فتبدي رأيها بالحوار والنقاش وتلقي التحية على من تحبّ وتحجبها على من لا تحبّ.
واجمل ما في هذا المشهد بالنسبة لي تفاعل مرسال غانم معها . "اي ماما" . كانت ارى امام عيني رجلاً كبيراً ، رقماً صعباً في الاعلام، يتحوّل الى طفل صغير يطلب رضاها ويسأل عنها ويطمئن لصحّتها... كيف لا ؟ وهي الام التي اعطت وربّت وضحّت ...
كيف لا ؟ وهي التي تعرف مصلحة اولادها وتخاف عليهم وترعاهم بحبّ ورجاء.
هي جبّارة لانها تحدّت المرض. قهرت السرطان. تخطّت المشاكل الصحية وفي اللحظات الاخيرة من حياتها كانت لا تزال تعي كل تفصيل وكل شاردة وواردة في العلاج وظلّت تقاوم . هو الصراع مع الحياة لقهر الموت . هي المحبّة والرغبة بالبقاء محاطة باولادها جعلتها تقاوم حتى اللحظة الاخيرة.
لا املك سوى كلمات ابلسم فيها جرح العائلة التي اعتبرها عائلة ثانية لي ، لا املك سوى صلاة اتلوها فاقول :
يا رب اقبلها في نعيمك واجعلها الملاك الحارس لهذه العائلة من السماء بعد ان كانت ملاكهم على الارض واجعل ذكراها طيبّة لدى كل من عرفها وارحمنا نحن الخطأة عبيدك .. آمين.

فيليب ابوزيد
11-11-2019

No comments:

من لبنان الكبير الى لبنان الجديد

  كتب الكثير في المئوية الاولى للبنان التي ترافقت للأسف مع انفجار من اكبر الانفجارات (غير النووية) في العالم. انفجار محا معالم العاصمة التي ...