Saturday, April 26, 2014

يوحنا بولس الثاني بابا السلام

في مناسبة تقديسه اليوم في الفاتيكان ، أعيد نشر مقالي في النهار يوم رحل البابا عنا ، وداعاً بابا السلام

وداعاً "بابا السلام"


رحل قداسة البابا يوحنا بولس الثاني، رحل الحبر الأعظم، سفير السلام والمحبة. انطفأ نور غرفته أمام أعين الألوف الذين أتوا لوداعه في ساحة القديس بطرس. أغمض عيناه البريئتان فيما الخمس مليارات كانت تترقب حالته الصحية وتدعو له بالشفاء. لكنه أبى أن يناضل في هذا اليوم. هو الذي عانى من أمراض وأوجاع يصعب على المرء تحملها إذا لم يكن مؤمناً فيمجد الله سبحانه من خلال أوعاجه، تماماً كما فعل سيّدنا المسيح.
رحيل البابا اليوم ترك أثراً كبيراً وعميقاً في نفوس الناس. وليس الكاثوليك وحسب، بل أن العالم العربي والإسلامي بأسره بكى يوحنا بولس الثاني. هو الذي زار هذا الشرق مرّات عديدة، وبارك شعبه وأهله وخصّه بمحبة كبيرة لما يعاني منه من نزاعات وحروب. ناضل من أجل القدس كي تصبح حرّة وبعيدة عن القتل والدمار. زار كنيسة المهد، حيث ولد السيد المسيح، كما زار الجامع الأموي في دمشق، فصافح الشيوخ وعزز الوحدة بين المسيحيين والمسلمين. كان يقول بأن المسلم أو اليهودي أو أي شخص آخر هو حرّ في اختيار دينه ولا يحق لنا أن ندينهم. لأن إلهنا واحد ومصيرنا واحد. فلا داعي للتناحر أو الاختلاف ولنسعى معاً للعيش بسلام. و لطالما سعى إلى مدّ الجسور وتعزيز الروابط بين الكاثوليك والأرثودوكس خصوصاً عندما قام بالزيارة التاريخية إلى اليونان...متمنياً وحدة الكنيسة والمسيحيين كامل أنحاء العالم.

ويكفيناً فخراً أنه زارنا في لبنان، بلد القداسة ومنبع الأبرار، في أيّار1997. حيث خصّنا بإرشاد رسولي وسينودس، وقّعه تحت عنوان:"رجاء جديد للبنان". ولطالما أعرب قداسته عن حبه للبنان وللشعب اللبناني الذي استقبله بالرقص والورود والصلاة. فقال لنا جملته التاريخية:"لبنان أكثر من بلد، إنه رسالة"! ما أعظم هذا الكلام وما أعمق معناه الروحي والسياسي. فلبنان هو فعلاً رسالة إلى العالم، رسالة التعايش والسلام. رسالة لأنه عانى من الحرب ودمرّ ولكنه لم يقهر... بل ظل يقاوم ويناضل حتى قام من جديد.

أحبّ البابا الشباب كثيراً، هو الذي كان دوماً يحمل همومهم ومشاكلهم فكان يلتقي بهم مراراً في العديد من عواصم العالم وكان في كل مرّة يدعوهم إلى الإيمان والصلاة والوحدة. فهم أمل العالم ورجاءه وخلاصه.
عرف يوحنا بولس الثاني بأنه "بابا التغيير والتحرير"، هو الثائر الأول الذي قاوم وأسقط الشيوعية في العالم، وحرّر الشعوب من الأنظمة الطاغية والقامعة للحريات وللديمقراطيات. عارض الحروب وصلّى للمعذبين وللفقراء. طبعاً لم يقاوم بالسلاح، بل كان يكافح بالكلمة والصلاة وبنشر السلام... آمن بالحوار و الانفتاح فجسد عقيدته على الأرض من خلال زياراته لأكثر من مئة بلد! آمن بلغة اللاعنف ووقف ساعياً للسلام بين الشعوب رافضاً الانقلاب على تعاليم الكنيسة ومعارضاً الاستنساخ والموت الرحيم والاجهاض...
لقد جسّد في حياته تعاليم السيد المسيح، لا سيّما المسامحة والغفران وأعظم الوصايا، "المحبة"، ولقد تجلى ذلك يوم صفح عن المدعو "علي أقجا" الذي حاول اغتياله عام1981. يوم نجا بأعجوبة من السيدة العذراء التي صادف الثالث عشر من أيار عيدها، فكرس لها حياته وبقي وفياً لها حتى مماته.

 يصعب وصف هذا الرجل العظيم ببضع كلمات، فلقد كان حقاً مصدراً للرجاء والنور، في زمن طغت فيه الحرب على السلام. والحقد على الحبّ، والجشع على العطاء... فنحن اليوم بأمس الحاجة إلى رجل مثله ليرأس الكنيسة ويسهر على تحقيق وحدتها وعلى تحقيق السلام في العالم أجمع. بموت الحبر الأعظم يطوى معه صفحة مهمة من التاريخ والانجازات. فلقد عبر بنا إلى الألفية الثالثة مكرّساً السنوات الثلاث الأخيرة من الألفية الثانية للآب والأبن والروح القدس... أرادنا البابا أن نكون موحدين في لبنان، مسيحيين ومسلمين، و أرادنا أن نعيش بسلام في هذا البلد الجميل، البلد الرسالة! وعزاؤنا اليوم أننا قد توحدنا، وبإذن الله لن تكسر إرادتنا بعد اليوم ولن ننقسم من جديد! وفاءً للشهداء الذين سقطوا في سبيل لبنان، ووفاءً لمن أحبّوا لبنان، وخاصة لبابا السلام، البابا يوحنا بولس الثاني.                                                                                                                     
                                                                                                                     فيليب أبوزيد



من لبنان الكبير الى لبنان الجديد

  كتب الكثير في المئوية الاولى للبنان التي ترافقت للأسف مع انفجار من اكبر الانفجارات (غير النووية) في العالم. انفجار محا معالم العاصمة التي ...