Wednesday, July 17, 2013

تاريخ في مدينة




مضى أكثر من عام على آخر زيارة قمت بها لتلك المدينة العريقة المفعمة بالحياة والعابقة برائحة التاريخ والحضارة، ففي هذه المدينة وتحت أصوات القذائف وانهمار الرصاص أبصرت النور للمرة الأولى في مستشفى سيدة المعونات، فوجدتني في مدينة أحبّها والديّ وتواعدا فيها وأحاول أن أرد لها الجميل اليوم من خلال لمحة في التاريخ ولفتة الى الحاضر.

ففي جبيل نشأ فن معماري مميز وبني في المدينة أول بيت بالحجارة المصقولة على أعمدة سبعة هي "أعمدة الحكمة". وفي جبيل شيّد أول هيكل حوالي سنة 2800 م. وأوّل سور يحمي المدينة من الغزو. وكانت جبيل العاصمة الفينيقية المقدّسة يتوّجه إليها المؤمنون بخلود الأرواح من كلّ صوب، ومنها انطلق أول مهرجان احتفالي ديني في العالم، هو مهرجان أدونيس الذي كان يواكبه رقص وغناء وموسيقى وبدايات مسرحية. (ما يعطي مهرجانات جبيل اليوم تلك العظمة التاريخية والأهمية في المكان والزمان ولا عجب أن تستضيف أيضاً هذا الصيف أهمّ الفرق الموسيقية العالمية والمحليّة إنما بطابع عالمي ونعني هنا الرحابنة الذين أحبّوا هذه المدينة وهي تبادلهم الموّدة.)


إذن هذه المدينة العريقة المجبولة بالتاريخ والتي تدرّس في دول العالم على أنها منطلق الحرف والأبجدية، وجد فيها ناووس أحيرام حيث كُشف النقاب عن أول أبجدية في العالم وكان لأبناء جبيل والسواحل اللبنانية والفينيقيين و"جدّنا" قدموس الفضل في تطوير هذه الأبجدية ونشرها تسهيلاً للتبادل والحوار ونشر المعرفة وحفظ التراث الإنساني. ويجدر أن نذكّر في هذا السياق أن الفينيقيين كانوا أول من دمج الصوت مع الرسوم، فأصبح لكل شكل مكتوب نبرة أو بصمة صوتية فتطورّت معهم الكتابة من الشكل الى الشكل والصوت معاً. فالكتابة المسمارية على سبيل المثال (ابتدعها الفراعنة) كانت صامتة ومع الفينيقيين انتشرت أولى اللغات وربما كانت الحاجة أم الاختراع فالتجارة بحاجة للكلام والتواصل والتفاعل والتفاهم وهذا ما فعله أجدادنا.

أما اسم جبيل ، بيبلوس ، فهو اشتُق من اسم الكتاب الذي أطلق بالمجمع على التوراة "بيبل" أو "بيبليا" وهناك تفسير مشابه يقول أن كلمة "بيبلوس" تأتي من أصل يوناني وتعني ورق البردي. لكننا لن نغوص اليوم في أصل كلمة جبيل المدينة التي تخطى عمرها 6000 عام. 

من غابات جبيل ، وكانت تشتهر بغابات الأرز اللبناني، بنيت هياكل في مصر وأرشليم وسفن تجارية وحربية وساهم الجبليون في بنائها كما جاء في الكتاب المقدس. وجبيل أيضاً كانت صلة الوصل بين حضارتي مصر وسومر اللتين تزامنتا مع الحضارة الفينيقية وأول مركز تجاري في التاريخ.  وننقل عن المؤرخ ألكسندر مورا في كتاباته عن جبيل: "كانت بيبلوس، وهي أهم مركز مزدهر للتبادل التجاري، في العهود القديمة، البوتقة التي كانت تنصهر فيها الأساطير والشعائر الدينية المصرية والآسوية، وفيها تلتقي التفاعلات في حقول الفنّ والسياسة".

عراقة جبيل ليست فقط تاريخية وسياحية (اليوم) ، لكنها ذكرت في الكتاب المقدّس. وورد اسم جبيل مرات عديدة في العهد القديم مع موسى الكليم حوالي سنة 1200 ق.م. وقد سمّيت فيه جِبَل وسمّي أهلها جبلييّن. وجاء في سفر يشوع: "وأرض الجبليين وجميع لبنان جهة شرق الشمس." وفي سفر المملوك الثالث : "نحتها بنّاؤو سليمان وبنّاؤو حيرام والجبليون وهيّأوا الأخشاب والحجارة. (انتهى الاقتباس من كتاب جبيل في التاريخ للمؤرّخ جميل جبر).


إذن وبعد هذه الجولة على تاريخ جبيل القديم لا بد من الانتقال الى حاضرها اليوم، وباختصار يمكن القول أن المدينة تعيش اليوم ورشة حقيقية ويبان الأمر جليّاً لزائر المدينة التي تغيّرت واجهات أسواقها وبعض مطاعمها بشكل ملفت وأفضل في ظل وقت قياسي، طبعاً دون أن يطال التحديث السوق العتيق، لتستحق بالفعل لقب "أفضل مدينة سياحية عربية للعام 2013" من قبل أكاديمية تتويج جوائز التمييز في المنطقة العربية بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للسياحة العالمية.

جبيل اليوم تحاول أن تنقذ ما تبقى من سياحة في لبنان، ونحاول معها أن نستعيد مجد ضائع للبنان وكل ما نملك هو الأمنيات لان تنجح والقيّمين عليها في الاستمرار بإبراز وجه لبنان الحقيقي. لبنان العلم والثقافة والانفتاح والفنّ والثورة الفكرية ، وليس لبنان الخطف والقتل والنعرات الطائفية. جبيل بالفعل أحلى وبالفعل هي تاريخ في مدينة وليست مدينة من التاريخ.
فيليب أ.ز.

من لبنان الكبير الى لبنان الجديد

  كتب الكثير في المئوية الاولى للبنان التي ترافقت للأسف مع انفجار من اكبر الانفجارات (غير النووية) في العالم. انفجار محا معالم العاصمة التي ...