Friday, June 8, 2012

عندما هوت أرزة من لبنان


 يأبى القلم أن يكتب عن سيّد الكلمة وصاحب القلم الأسطوري والعقل النيّر ، الإنسان - الأسطورة ، الأستاذ الكبير ، أستاذنا ، غسّان تويني. غسّان تويني ليس رجلاً واحداً وحسب. إنه عدّة رجال في رجل واحد. هل نكتب عن غسان تويني الصحافي أم الكاتب أم المفكر السياسي والفيلسوف أم الأستاذ الجامعي أم السفير أم النائب والوزير ؟! يحار المرء من أين يبدأ وكيف ينتهي لأن من نكتب عنه لا يمكن أن نختزل مسيرته ببضع كلمات ، لأن الرجال بحجم غسّان تويني ، إن وجدوا، لضاقت مجلدّات المعمورة بالكلام عنهم وعن ما فعلوه من أجل وطنهم وأهلهم وشعبهم ومن أحبوّا...



"قلّ أن أعطي لإنسان أن يقف في المكان نفسه على مدى الأعوام، ليرثي أبنه وأباه" هي الجملة التي تختزل صراع غسان تويني مع القدر ، ترى هي أسطورة إغريقية أم تراجيديا حقيقية عاشها واختبرها رجلاً بصفات ألوهية ؟ فغسّان تويني العظيم المتكابر على جرحه الطامع "لتقبيل جبهة جبران التي لم يجدها ليطبع عليها قبلة الوداع"... رأيناه واقفاً على نعشه يعلن "دفن الأحقاد" مع فلذة كبده وسنده. فعلى الرغم من المصاب الأليم لم يدعُ للانتقام بل إلى المسامحة ! لم يدعُ إلى الحقد بل إلى المحبّة! لم يدعُ إلى الحرب بل إلى السلام وقد كان رسول السلام بحق. صراع غسّان تويني مع القدر أدى به إلى أن يودّع زوجته ناديا وابنته الطفلة نايله وابنه اليافع مكرم وآخر العنقود جبران ! إن هكذا مواقف في هكذا ظروف لا تأتي من إنسان عادي ... بل تحتاج إلى شيء من الألوهة ... شيء من الحكمة والعقلانية التي لا يتسّع لها عقل بشري محدود ... 

ولعلّ عبقرية غسّان تويني وحكمته وفلسفته هي التي مكنتّه من تخطّي الصعاب والضربات القاسية الواحدة تلوى الأخرى ... لتستحقّ حياته أن تلقّب بالجلجلة الحقيقية .

لقد أحبّ لبنان إلى درجة الجنون ، هو الذي مارس السياسة في زمن الكبار والرجال وقف في المنابر الدولية ؛ في الأمم المتحدة حيث يُصنع القرار صارخاً: "أتركوا شعبي يعيش" . هو أب القرار 425 في الأمم المتحدة ، وهو إن كتب عن العدو الإسرائيلي نطقت أفعاله قبل قلمه بالوطنية والوجدان حتى كاد العدّو أن يضمحّل ؛ وإن كتب عن السياة والحريّة والاستقلال ازداد الأرز شموخاً وتجذرّت شلوشه بالأرض والتراب. هو مدرسة حقيقية في كتابة المقال - الرأي وفي كتابة النقد والتحليل. لا يتوّقف الخبر لدى غسّان تويني بحدوده الزمنية بل يتخطّاه إلى ما قبل وما بعد الحدث ويضيف عليه استشراف للمستقبل. فمع كل مقالة نقرأها له ترانا أمام محاضرة في الفلسفة وعلم السياسة والتحليل قبل أن تكون مجرّد رأي. ففي زمن كثرت فيه الألقاب كان سيدّ الألقاب غسّان تويني يفضّل صفة واحدة فوق كل اعتبار : الصحافي.

"جبران تويني لم يمت ... والنهار مستمرة" هو العنوان الذي تمّسك به الأستاذ غسّان تويني عشيه اغتيال جبران تويني ، واليوم لا بدّ من القول بأن النهار مستمرة لأن الثلاثي جبران الجدّ وجبران الحفيد وغسّان الأب باتوا يشكّلون مجلس تحرير من فوق يرعى هذه الجريدة – المؤسسة ويلهمها لأن تستمرّ. "سلّم على جبران" يا أستاذ غسّان كما قالت لك ميشيل حفيدتك في أول تعليق لها على رحيلك ، سلّم على جبران وشدّ على يده وافتخر به لأنه أضاف على تاريخ لبنان فصلاً من البطولة والشهامة ... هو الفارس النبيل يلتقي اليوم بوالده فما أجمله من لقاء! أمّا نحن هنا فلا نزال نتخبّط في "حرب الآخرين على أرضنا" لا نزال بحاجة للكثير من الوقت لنتعلّم كيف نتفادى حروب الآخرين ... 
وما أكثرها عن أرضنا وشعبنا، وإلى أن يحين الوقت لقيام الدولة الفعلية في لبنان نطلب منك، حيث أنت ، أن تصلّي للبنان وأن تكون ، كما كنت في حياتك على الأرض ، خير رسول في السماء.

غسّان تويني إسمك نيشان على صدر الصحافة اللبنانية. إسمك تاريخ في تاريخ، أنا أفتخر أنني عرفتك ولمحتك وتحدثت إليك في أروقة الجريدة وأذكر تلك الضحكة التي ارتسمت على وجهك عندما كنت تخبرنا بعضاً من نهفات السياسة في الزمن الجميل، الزمن الحلم حيث كان الرجال أمثالك ، إذا توّلوا الحكم والمناصب ، يرفعون من شأن لبنان ويكرّموا اسمه. 

الصحافة بدونك تفقد جزء كبير من معناها ، غير أن مخزونك الفكري في كتبك وسلسلة محاضراتك وفي "سرّ المهنة ... وأصولها" سيبقى درساً تتعلمّه الأجيال القادمة حتى قيام لبنان الذي لطالما حلمت وحلم جبران تويني به.
فيليب أبوزيد 

من لبنان الكبير الى لبنان الجديد

  كتب الكثير في المئوية الاولى للبنان التي ترافقت للأسف مع انفجار من اكبر الانفجارات (غير النووية) في العالم. انفجار محا معالم العاصمة التي ...